على مدى حوالي نصف قرن من الزمن، شكّل سباق داكار تحديًا مثيرًا لعشاق المغامرات. فأين أصبح هذا السباق الأسطوري الذي لا تكتمل لائحة إنجازات أي بطل إلا عندما يُحرز النصر فيه ولو مرة؟ 

تـاريخ سباق داكار

عندما ضل تيري سابين طريقه وسط الصحراء خلال عام 1977، لم يكن هذا المشارك في سباق نيس- أبيدجان يُدرك أنّ هذه المغامرة التي فُرضت عليه ستكون الدافع وراء تأسيس واحد من أصعب سباقات العالم. 

لكنه ما إن خرج من هذه المحنة حتى قرر تنظيم سباق ينطلق من العاصمة الفرنسية باريس ليعبر البحر الأبيض المتوسط نحو سواحل إفريقيا الشمالية، ثم يتابع عبر الصحراء والأدغال وصولاً إلى العاصمة السنغالية داكار، ليكون هذا السباق "تحديًا كبيرًا لمن يشارك فيه، وحلمًا لمن يتخلف عنه" على ما قال تيري نفسه. 

بالإضافة إلى طول المسافة وصعوبة المسار، فإنّ الأمر الآخر الذي يميز سباق داكار هو الاستكشاف. فلطالما شهد مسار السباق الخوض في مناطق غير مكتشفة، أو لم تعبر فيها أي وسيلة نقل من قبل، وهذا الأمر كان دائمًا في صميم سباق داكار مهما اختلفت المناطق أو القارات التي عبرها، من القارتين الأوروبية والإفريقية مع بداياته منذ عام 1979 حتى عام 2007، مرورًا بمرحلة أمريكا الجنوبية بين عامي 2009 و2019، قبل أن يحط رحالة في قارة آسيا، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية التي يُنظم على أراضيها منذ عام 2020 حتى اليوم، علمًا أنّ حدث العام 2008 كان قد ألغي بسبب التهديدات الأمنية في موريتانيا.

المنافسة للجميع

تمثّلت الفكرة الرئيسة التي انطلق منها سابين عند تأسيس السباق بإفساح المجال أمام الجميع لخوض مغامرة استكشاف المناطق النائية وليس المنافسة بحد ذاتها. فالمنافسة تبقى ضرورية لإضفاء أجواء مثيرة على أي حدث، ولكنها ليست الغاية. 

لذا، وعلى غير ما هو عليه حال السباقات الأخرى، كان رالي داكار ولا يزال سباقًا تشارك فيه مختلف وسائل النقل البرية. فبالإضافة إلى السيارات متعددة الفئات، يشهد السباق مشاركة الشاحنات والدراجات النارية (ثنائية أو رباعية العجلات)، علمًا أنّ المركبات المشاركة كلها تمثّل فئات معدّلة وحصرية لسباقات داكار أو فئة "رالي ريد" بشكلٍ عام، أي أنه جرى تصميمها منذ البداية لتتناسب مع متطلبات هذا النوع من السباقات. 

وفيما يُوصف المشاركون على متن الدراجات النارية بأنهم الأبطال الحقيقيون لداكار كونهم يتعرضون للمشقات بشكلٍ مضاعف مقارنة بالسائقين الآخرين، إلا أنّ الجميع يتساوى في مجال مواجهة تحدي الضياع في المناطق غير المأهولة، الأمر الذي كان يضطر المنظمين في كثير من الأحيان إلى استخدام الطوافات للبحث عن أي فريق تائه وإرشاده إلى المسار الصحيح. 

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المؤسس تيري سابين كان دائمًا يوصف بأنه الراعي الأول للمتسابقين، إذ إنه كان دائمًا يواكبهم من الجو كي يحرص على عدم ضياعهم وسط العواصف الرملية التي قضى هو نفسه بسببها عندما تحطمت الطوافة التي كانت تقله عام 1986.

البطل السعودي يزيد الراجحي يحقق نصرًا تاريخيًا ليكون أول سائق سعودي يفوز ببطولة سباق داكار.

البطل السعودي يزيد الراجحي يحقق نصرًا تاريخيًا ليكون أول سائق سعودي يفوز ببطولة سباق داكار.

مشاركة السيارات الكلاسيكية

بدءًا من عام 2021، أضيفت فئة أخرى إلى السباق هي فئة السيارات الكلاسيكية والشاحنات المصنّعة قبل عام 2000، أو المركبات الجديدة التي جرى بناؤها وفقًا للمواصفات الأصلية قبل عام 2000. 

على أنه بدءًا من العام الحالي، أصبحت القاعدة التي يُستند إليها في مجال السيارات الكلاسيكية تتيح مشاركة مختلف السيارات التي أُنتجت قبل 20 عامًا. 

وبذلك كان الحد الفاصل لعمر السيارات المشاركة ضمن الفئة الكلاسيكية في نسخة هذا العام هو الطُرز التي أُنتجت قبل عام 2005، فيما سيكون حق المشاركة في نسخة العام المقبل من نصيب السيارات التي أُنتجت في عام 2006 أو قبله.

ورغم أنّ السيارات الكلاسيكية تتشارك مع السيارات الأخرى المخيم نفسه والأطر التنظيمية نفسها، إلا أنها تسير في مسار موازٍ يتناسب مع قدراتها وحالتها الفنية. 

كما أن لوحة النتائج لا تعتمد على أسرع توقيت، بل على نظام تسجيل نقاط مختلف، بهدف جذب العدد الأكبر من ملاك هذه السيارات الذين غالبًا ما يشاركون بشكلٍ منفرد ومستقل عن الصانعين العالميين الكبار.

تستضيف المملكة العربية السعودية رالي داكار منذ عام 2020، وقد امتد مسار السباق لهذا العام من مدينة بيشة إلى هجرة الشُبيطة في الربع الخالي.

Antonin Vincent

تستضيف المملكة العربية السعودية رالي داكار منذ عام 2020، وقد امتد مسار السباق لهذا العام من مدينة بيشة إلى هجرة الشُبيطة في الربع الخالي. 

أحداث لافتة في سباق داكار

على مر 46 عامًا، شهد سباق داكار عددًا كبيرًا من الأحداث البارزة، منها المفرح ومنها المحزن. بل إن بعضها كان مضحكًا مبكيًا بل تراجيديًا على ما حدث في نسخة عام 1986، عندما قضى المؤسس تيري سابين نحبه إثر تحطم الطوافة التي كانت تقله فوق مالي في أثناء عاصفة رملية مفاجئة في الساعة 7:30 مساءً يوم الثلاثاء 14 يناير 1986. 

وبعيدًا عن التراجيديا، شهدت نسخة عام 1988حدثًا غريبًا: فيما كان أري فاتانين متصدرًا السباق مع الوصول إلى باماكو عاصمة مالي لتمضية الليل استعدادًا لاستئناف السباق في اليوم التالي، استفاق الجميع صباحًا على خبر سرقة سيارة فاتانين، إذ تلقى جان تود مدير فريق بيجو آنذاك (ورئيس الاتحاد الدولي لرياضة السيارات لاحقًا) اتصالاً هاتفيًا يطالبه بدفع فدية قدرها 25 مليون فرنك إفريقي، كي يعيد اللصوص السيارة. 

جرى العثور على السيارة في حقل بعد فترة وجيزة، لكن الأوان كانت قد فات ولم يتمكن فاتانين من أخذ إشارة الانطلاق ليجد نفسه مستبعدًا من السباق تاركًا الفوز لزميله في الفريق يوها كانكونن.

وبعدها بعام، شهدت نسخة عام 1989 من السباق مشاركة قوية لـفريق بيجو، الأمر الذي رأى فيه البعض تغييرًا جذريًا في الفلسفة الأصلية والروح المغامرة للسباق الذي ابتكره تييري سابين. 

فشركة بيجو كانت أول المصنعين الذين شاركوا في السباق ومعهم كمية هائلة من الموارد المادية والبشرية والمالية، ما أدى إلى سيطرة تكاد تكون كاملة على مجريات السباق ومنافسة ضارية بين الثنائي أري فاتانين وبرونو برغلاند على متن Peugeot 406 T16 والثنائي جاكي إيكس وكريستيان تارين على متن سيارة بيجو الثانية. 

وبسبب هذه المنافسة التي اشتعلت أكثر فأكثر مع تقدم مراحل السباق، وخوفًا من أن تؤدي هذه المنافسة إلى تعطل سيارتي بيجو وخسارة السباق، قرر جان تود تنفيذ قرعة لتحديد من هو الثنائي الذي يُسمح له بالفوز، وهذا ما أثار غضب كل من سائقي الفريق، خصوصًا أنه لم يحل المشكلة. ففي اليوم التالي ضل فاتانين طريقه وسرعان ما فقد الصدارة التي كان يتمتع بها لحساب إيكس، وعند الوصول إلى نقطة المساعدة، أصبح العداء بين الاثنين شديدًا، إذ اتهم فاتانين زميله اللدود بعدم احترام أوامر الفريق، فيما رأى إيكس أنه قام بواجبه من خلال تخفيف السرعة وإلا لكان تقدم على زميله المنافس بفارق كبير.

ولمّا جاء اليوم الأخير، أبطأ إيكس سرعته عندما اقترب من خط النهاية في بحيرة ريتبا من أجل انتظار وصول زميله في الفريق. وبعد مرور 20 ثانية بالضبط من تجاوز فاتانين له، استأنف إيكس السباق ليحرز المركز الثاني ويُختتم السباق بشكل أقل ما يمكن أن يقال فيه هو أنه غير رياضي.

أما في عام 2001، فكتبت يوتا كلاينشميت اسمها في كتب التاريخ عندما أصبحت أول امرأة تفوز بسباق داكار، والوحيدة حتى هذا التاريخ. بالإضافة إلى ذلك، أصبحت أيضًا الوحيدة التي تفوز بفئة السيارات في السباق الشهير بين مواطنيها الألمان. 

فبعد منافسة شرسة بين زميل كلاينشميت في فريق ميتسوبيشي وجان لوي شليسر على متن السيارة التي تحمل اسمه، تسلّمت الألمانية صدارة السباق في مراحله الأخيرة لتحرز الفوز. لا بد من التنويه أيضًا إلى أن السائق القطري ناصر العطية كرّس حضوره بوصفه أول عربي يُحرز الفوز بالسباق في عام 2011، علمًا أنه كرر هذا الإنجاز خلال الأعوام 2015، 2019، 2022 و2023.

وخلال نسخة عام 2023، شاركت أودي على متن سيارة خاصة صممتها للسباق الشهير معتمدةً على تقنية e-tron الكهربائية مع محركين كهربائيين، الأول يدفع المحور الأمامي، فيما الثاني يدفع المحور الخلفي. 

أما طاقة البطارية، فتتوفر من خلال محرك احتراق داخلي مسؤول عن توليد الطاقة الكهربائية حصرًا، أي أنه لا يتصل بالعجلات. ومع هذه السيارة ولكن بنسخة معدّلة بشكلٍ طفيف، حققت أودي الفوز في سباق عام 2024 لتسجل بذلك أول فوز لسيارة مدفوعة بالطاقة الكهربائية في سباق داكار.

 الدرّاج الصيني دينغ ليانسونغ على متن دراجة من طراز Kove 450 Rally.

Florent Gooden

 الدرّاج الصيني دينغ ليانسونغ على متن دراجة من طراز Kove 450 Rally.

وقود صديق للبيئة

بما أنّ الهدف الرئيس لسباق داكار كان دائمًا استكشاف المناطق غير المأهولة، فإنّ هذا الهدف يحمل في طياته احترامًا كبيرًا للطبيعة البكر في البيئة غير المأهولة، وهذا ما يبدو جليًا من خلال القوانين التي تفرض عقوبات على الفرق التي تترك قطعًا ميكانيكية أو حطام بعض السيارات في الصحراء. 

اليوم أيضًا، يتراجع التأثير السلبي لمرور السيارات وسط تلك المناطق بسبب حلول شركة أرامكو السعودية، بما في ذلك تزويد الفرق المتنافسة في داكار بالوقود الحيوي الذي تطوّره للحد من البصمة الكربونية للسباق وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة في رياضة السيارات.

ويمكن أن نرى في استخدام الوقود الحيوي في سباقات مثل داكار حجر أساس نحو الاستخدام الأكثر انتشارًا للطاقة المتجددة في النقل. بل إن استخدام الوقود الحيوي في رياضة السيارات قد يلهم الشركات المصنّعة والمستهلكين لتبني ممارسات أكثر استدامة، مثل استخدام الوقود الحيوي في المركبات على الطرق.

حقبة سعودية

بعد كل من أوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، حطت رحال سباق داكار في قارة آسيا، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية التي تستضيفه منذ عام 2020. 

ورغم أنه كان من المقرر أن يضم سباق داكار دولاً أخرى في الشرق الأوسط بدءًا من عام 2021، إلا أنّ هذا الأمر لم يحدث ولا تزال صحراء المملكة ذات المناظر الخلابة تشكل مسار أبرز مراحل بطولة العالم لسباقات الرالي ريد.

بالإضافة إلى السيارات متعددة الفئات، شهد السباق مشاركة الدراجات والشاحنات، وتظهر في الصورة شاحنة فريق سكوبا.

Frederic Le Floc›h

بالإضافة إلى السيارات متعددة الفئات، شهد السباق مشاركة الدراجات والشاحنات، وتظهر في الصورة شاحنة فريق سكوبا. 

أما نسخة العام الحالي من السباق التي اختتمت أواسط الشهر الفائت، فشهدت تحقيق البطل السعودي يزيد الراجحي نصرًا تاريخيًا ليكون أول سائق سعودي يحقق الفوز بدكار. 

وبطبيعة الحال، عندما يحقق أي سائق الفوز على أرضه ووسط جمهوره، يكون للفوز طعم آخر. فبعد أن عزفت أودي الفائزة بالنسخة السابقة عن المشاركة هذا العام، وفيما لا تزال فرق مثل فورد وداسيا ضمن مرحلة التكيف على مثل هذا النوع من الراليات الصحراوية، كانت السيطرة خلال هذا السباق لتويوتا التي شاركت بخمس سيارات رسمية مدعومة من المصنع. 

ولكن الراجحي تفوّق أيضًا على هذه المركبات. صحيح أنه شارك على متن سيارة تويوتا، إلا أنّ سيارته تنتمي إلى فريق مستقل، وهذا إنجاز آخر، إذا ما أخذنا في الحسبان قلة المرات التي تتمكن فيها سيارات الفرق المستقلة من التفوق على مركبات المصنع الرسمية.

خلال السباق، تصدر سائق تويوتا الآخر هينيغ لاتيغان الترتيب العام لفترة طويلة مستفيدًا من أدائه الثابت، لكن خطأً في الملاحة خلال المرحلة التاسعة منح الراجحي الأفضلية وقلب الموازين بشكلٍ لم تنفع معه محاولات لاتيغان استعادة الصدارة في المرحلة العاشرة، إذ إنّ ضعف أدائه بين الكثبان الرملية تسبب في تراجعه، ما أتاح للراجحي فرصة انتزاع الصدارة التي احتفظ بها حتى النهاية.

في سن الثالثة والأربعين، أظهر الراجحي قوته بتحقيق نتيجة مميزة على المسارات حول منطقة بيشة. ويبدو أنه استفاد من الدروس التي تعلمها خلال الحادث الذي تعرض له العام الماضي، لينجح بعد أن تعافى بسرعة هذا العام بإحراز أول ألقابه، ودخول التاريخ بوصفه أول سعودي يحرز هذا الإنجاز.

وفيما أنهى الراجحي السباق بفارق 3 دقائق و57 ثانية عن صاحب المركز الثاني لاتيغان، كان المركز الثالث من نصيب ماتياس إكستروم على متن سيارة فورد، متأخرًا بفارق 20 دقيقة و21 ثانية عن المتصدر.