تحظى دار بوشرون Boucheron بشهرة واسعة، وارتباط قوي بمعاني الجرأة والتميز، فهي الدار العريقة التي اقتحمت بثبات عالم الفخامة والإبداع الراقي، منذ تأسيسها قبل نحو 164 عاماً على يد فريدريك بوشرون. فما هي قصتها؟ وكيف استمر هذا التألق الذي وضع إبداعات بوشرون في مقدمة أيقونات الفخامة حول العالم؟

المتمرد المبدع

ولد مؤسس الدار فريديريك بوشرون عام 1831 لأسرة موسرة، تحترف تجارة الأقمشة الراقية. ورغم افتتان فريدريك بوشرون بنعومة الأقمشة الساحرة وانسيابيتها وخفتها، إلا أن البريق كان شغفه الأكبر والأهم، الأمر الذي جعله يتمرد على التقاليد المهنية المتوارثة لعائلته، ويقرر في سن الرابعة عشرة أن يخطو أولى خطواته في عالم الجواهر بتعلم صناعتها، ليتحول بشكل سريع وواثق إلى صانع جواهر مميز، إلى أن نجح في افتتاح أول متجر للجواهر خاص به في عام 1858.

كان الشاب بوشرون، البالغ من العمر آنذاك نحو 27 عاماً، متمردًا مبدعًا بنى خبرة مميزة في صناعة الجواهر، أهلته لأن يبني مجداً خاصاً. ومع افتتاح متجره الأول Galerie de Valois في باريس وسط متاجر مجمع باليه روايال Palais Royal الذي عُرف في ذلك الوقت بوصفه مركزًا للفخامة الباريسية، وتهافت سكان باريس من العاشقين للفخامة والإبداع على المتجر المتلألئ في قلب مدينتهم، بدأت الرحلة الساحرة لدار بوشرون.

دار بوشرون وقصة نحات الجواهر المتمرد

Boucheron

نحات الذهب

كل هذا النجاح زاد من ثقة بوشرون في استخدام أدواته، وفي أسلوبه المميز لتشكيل الحلي والجواهر. فقد جلب ليونة الأقمشة إلى أعماله الذهبية، وطوع المعدن ببراعة ليشكل منه قطعاً متفردة وكأنه ينسج ثوباً ولكن من الذهب والجواهر، ومن ثم حقق نجاحاً واضحاً، وأصبح الاسم الأبرز في صناعة الجواهر بباريس، وفي مقدمة صنّاع جواهر العائلات الملكية والصفوة والنجوم حول العالم.

كانت قدرة بوشرون فريدة في الإنصات إلى روح العصر، وهي القدرة التي مكنته من ابتكار طرق جديدة للتزيّن بالجواهر، وتقديمها في أشكال غير مسبوقة جعلته حسب عشاق ابتكاراته نحاتاً رائعاً للذهب والجواهر، يشكلها كيفما أراد.

ومع توسع دائرة نجاح بوشرون، اختار أن ينتقل عام 1893 إلى Place Vendôme 26، ليحقق السبق مرة أخرى ويكون بذلك أول صائغ يفتتح متجراً في هذا الموقع المميز، بين منطقة أوبرا غارنييه وحدائق تويلري وساحة فاندوم. ومنذ ذلك الحين، بات مقره الجديد يُعرف من حيث كونه وجهة لاستكشاف روائع الجواهر الفرنسية التي ظلت تتلألأ خلف نوافذ متجره الساحر في ذلك المبنى العائلي الذي سُمّي في عام 1930 معلمًا تاريخيًا.

دار بوشرون وقصة نحات الجواهر المتمرد

Boucheron

مزاد القرن

حقق فريدريك بوشرون خلال مسيرته نجاحات كبيرة، بدأها بالفوز بالميدالية الذهبية خلال معرضه الأول عام 1867، وهو الفوز الذي تبعته انطلاقة ثابتة لحصد العديد من الجوائز الكبرى والتكريمات الدولية المهمة، وكلها ثمّنت ما قدمه بوشرون من ابتكارات وأفكار وإبداعات، شكلت آنذاك وحتى يومنا هذا ثورة كبيرة في صناعة الجواهر.

ومنذ زمن المؤسس وحتى يومنا هذا، يُحسب لدار بوشرون امتلاكها  الجرأة على اختبار مواد لم تكن شائعة الاستخدام مثل اللازورد والمرجان والهيماتيت والعقيق والقنب وخشب الثعبان، ولاحقاً الرمال والكريستال الصخري.

فلطالما كانت الطبيعة مصدر إلهام لا نهاية له لدار بوشرون التي قدمت على مر السنين أشكال الحيوانات برمزية مميزة وجعلت منها مساحة خاصة لإبداعها، مثل تصميم ريشة الطاووس الشهيرة وغير المسبوقة Point d’Interrogation في هيئة علامة استفهام بات لها دلالة خاصة جداً في مجموعات الجواهر حول العالم منذ أن قدمتها الدار عام 1866.

في عام 1887 خلال أحد أشهر مزادات الجواهر حول العالم، والذي أقيم بمتحف اللوفر وأطلق عليه آنذاك اسم "مزاد القرن"، عُرضت جواهر التاج الفرنسي للبيع، وكان بوشرون الفرنسي الوحيد بين المتنافسين، وكانوا بالطبع أهم صائغي الجواهر في العالم.

واستطاع بوشرون آنذاك الحصول على 31 ألماسة، من بينها ألماسات مازارين الشهيرة، مع واحدة من أجمل جواهر الإمبراطورة أوجيني، التي اقتناها فريديريك ليضعها بين يدي زوجته غابرييل تعبيراً عن حبه الكبير لها.

دار بوشرون وقصة نحات الجواهر المتمرد

Boucheron

جواهر للنخبة

كان أفراد العائلة الإمبراطورية الروسية من أهم زبائن بوشرون منذ عام 1860، وقد زار عدد منهم متجره في باريس وجذبتهم تصاميمه وذائقته المتمايزة، ومنهم: الإمبراطورة ألكسندرا فيودوروفنا، والدوقة ماريا نيكولاييفنا، وألكسندر الثالث، والدوق الأكبر أليكسي.

ولهذا السبب قرر فريديريك بوشرون في عام 1897 أن يفتتح أول متجر له خارج فرنسا، واختار له العاصمة الروسية موسكو، وأعقبه بمتجر في لندن، ثم نيويورك وطوكيو.

وبين عامي 1876 و1902، شهدت دار بوشرون مجموعة من مائة وطلبين مثيرة للإعجاب سُجلت تحت اسم ماري لويز ماكاي. وكان الطلب الأشهر لزوجها بالبحث سراً عن الجوهرة الأكثر استثنائية التي تتناسب مع اللون المكثف لعيني زوجته ماري الزرقاوين، وتشكيل هذه الجوهرة في تصميم مبهر.

دار بوشرون وقصة نحات الجواهر المتمرد

Boucheron

وقد تحقق الطلب أخيراً عندما اختار بوشرون حجرًا من الياقوت الأزرق الكشميري بوزن 159 قيراطاً، صاغه في عقدٍ رائعٍ قُدم للسيدة ماكاي، ووُصف بأنه يضم أجمل الياقوت الأزرق في العالم.

ولم يتوقف سحر إبداع بوشرون بعد رحيل المؤسس فريدريك عام 1902، وانتقال إدارة الدار إلى ابنه لويس الذي عمل على توسيع دائرة نشاطها، مجتذبًا مجموعة جديدة من كبار الزبائن في طليعتهم المهراجا باتيالا الذي قصد متجر بوشرون في باريس عام 1928 في زيارة تاريخية، حاملاً معه كنزًا ثمينًا من ستة صناديق مليئة بـالأحجار الكريمة، تضم نحو 7571 ألماسة و1432 حجراً من الزمرد.

وطلب المهراجا من لويس بوشرون أن تصوغ الدار حجارته الثمينة في 149 قطعة من الجواهر المتميزة، وهو الطلب الأهم والأكبر على الإطلاق للدار حتى يومنا هذا.

وفي عام 1930 اختار شاه إيران بوشرون لتقييم الكنز الإمبراطوري لإيران، فجرى تعيين لويس بوشرون وأحفاده أمناء وحراسًا رسميين للكنز الإمبراطوري لبلاد فارس، فيما ظل التقدير النهائي لقيمة هذا الكنز الكبير سراً إلى الأبد.

دار بوشرون وقصة نحات الجواهر المتمرد

Boucheron

تطور مستمر

لم يتوقف إبداع بوشرون عند حد صياغة الذهب والجواهر، فقد عمل على إنتاج ساعات الجيب الدقيقة منذ عام 1859، ثم طرح ساعات المعصم في عام 1885.

وربما كان أول صانع جواهر يحصل على براءة اختراع في مجال الساعات، ومن ثم فقد أطلق عليه لقب "صائغ الوقت". وفي عام 1947، أطلقت الدار ساعة Reflet التي تميّزت بعلبتها المستطيلة ذات الشكل المحدب، والتي لقيت استحسان النجمة إيديث بياف فابتاعت 21 نموذجًا منها.

اقتحمت بوشرون أيضًا عالم النظّارات ثم صناعة العطور عام 1988، كما طورت الكثير من أنشطتها المختلفة. ولم تنس العلامة دورها الريادي وأهدافها النبيلة، التي حرسها أربعة أجيال من عائلة بوشرون، وحتى بعد أن تبدلت تابعية الدار، ظلت العلامة تتبع توجهات مؤسسها والحس الإنساني والاجتماعي المسؤول الذي ميزها على مدار أكثر من 164 عاماً، ملتزمة صون المسؤولية الاجتماعية والبيئية والقضايا الخلقية التي سعت لتحقيقها والتأكد منها خلال مختلف مراحل الإنتاج.
 
 فيما استمر خبراء وحرفيو بوشرون يقدمون إبداعاتهم المذهلة من الطابق العلوي في بلاس فاندوم، عملوا بجد وإتقان على وضع قواعدهم الخاصة جداً للفخامة والتميز، وابتكروا كل جديد من أجل تعزيز إشراقات كل جوهرة وكل تصميم باستخدام مختلف التقنيات والمواد الممكنة، مع استحداث كل جديد وربما كل غريب ومميز، في سبيل الوصول إلى أعلى درجات التفرد.