روائع فريز الفنية مقال مميز

فريق العمل
الخميس, 07 نوفمبر 2019 10:33

 

معرض فريز لندن يتزين بفنون معاصرة ومآثر من أزمنة غابرة

 

في مدينة الضباب، لا يغيب الحديث منذ أواسط عام 2016 عن تصورات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما بات يُعرف باسم «بريكست». لكن فيما البلاد كلها غارقة في متاهة هذا الانسحاب الذي كان من المخطط له أن يتحول إلى واقع نافذ أواخر شهر أكتوبر تشرين الأول، قبل أن يُصار إلى البحث عن مدة تأجيل جديدة، لم يتراجع زخم الحراك الفني بالرغم من توخي هواة اقتناء الأعمال الفنية جانب الحذر في الإنفاق. يأتي هذا الحذر نتيجة للتوقعات المتداولة عن احتمال نشوب أزمة مالية حادة، والواقع الضبابي لبريكست على ما أوضحت شايان ويستبال، رئيسة مجلس إدارة دار فيليبس للمزادات، في سياق حديث ورد في مقال نُشر على موقع بلومبرغ في السابع والعشرين من شهر فبراير شباط من هذا العام تحت عنوان: Brexit Shadow Turns Art Collectors Into Currency Traders، أو ظلال بريكست تُحول جامعي الفنون إلى تجار عملة. 

 

 عكست اللوحات والمعروضات في جناح صالة موريتي مسار الفن الإيطالي عبر القرون

عكست اللوحات والمعروضات في جناح صالة موريتي مسار الفن الإيطالي عبر القرون.

 

أعمال معاصرة ومنسوجات 

في ظل هذه المخاوف أو بالرغم منها، تجلت ذروة الزخم في الساحة الفنية في مشهد اختصره توافد الزائرين مطلع الشهر الفائت إلى متنزه ريجنتس بارك اللندني ومساحاته الشاسعة التي تحولت إلى منصات عروض انضوت تحت مظلة معرض «فريز لندن» Frieze London في دورته السابعة عشرة. وسط حيوية النقاشات الفنية التي دارت بين العارضين وهواة الفنون، استزادت الأبصار في هذه الواحة من روائع أعمال حديثة ومعاصرة قدمتها نحو 160 صالة عرض من ستة وثلاثين بلدًا مختلفًا سجلت في سياق هذا الحدث أرقام مبيعات تفاوتت بين خمسة آلاف دولار وخمسة ملايين دولار. شملت قائمة أبرز العارضين ليسون غاليري بلوحات للفنان الأمريكي ستانلي ويتني، وغاليريا نارا روزلر بأعمال تركيبية من الخشب والزجاج من ابتكار الفنان البرازيلي راوول موراو، وصالة غاغوسيان التي احتكر جناحها لوحات فنية وأعمالاً نحتية وأخرى مشغولة بتقنية اللصق حملت كلها توقيع الفنان الأمريكي الهولندي ستيرلنغ روبي الذي قيل إن أعماله حققت في المعرض مبيعات بقيمة 325 ألف دولار. وفيما قدمت منصة وادنغتون كاستور الفرصة لمعاينة أعمال فنانين من خريجي مدرسة الفنون البريطانية في حقبة ستينيات القرن الفائت أمثال ديفيد هوكني وبريدجت رايلي، زخر جناح غاليري شينيل بمجموعة من الفخاريات التي تزينت كلها برسومات لبيكاسو وعُرضت إلى جانب عدد من القطع الأثرية الرومانية.

 

تزين جناح صالة Art Ancient في فريز ماسترز بخمسة وستين غرضًا ومنحوتة أثرية يعود بعضها إلى ما قبل القرن السابع عشر.

 

أما صالة ديفيد كوردانسكي الشهيرة في لوس أنجليس، فشكل جناحها واحة لاستكشاف الحس الإبداعي لإيفان مورلي الذي وظّف مواد وتقنيات غير تقليدية، على غرار التطريز بالخيوط، والرسم على الزجاج بالألوان الزيتية، لتنفيذ لوحات تجريدية تحتفي بالبعدين الثقافي والاجتماعي للتاريخ. وإلى جانب اللوحات التي قدمتها صالة أليكسيس رينارد تحت عنوان «في عيون الآخرين» للإضاءة على منظور فنانين من شرق آسيا «للآخر» وتحديدًا للشخصية الأوروبية، والخرائط التاريخية للندن في جناح صالة دانييل كراوتش، أمتعت الذائقة الفنية ثمانية عروض فردية أحسن تنظيمها منسق المعارض الفنية الروماني كوزمن كوستيناس في قسم خاص حمل اسم Woven أو المنسوجات. هنا تفاوتت الأعمال بين أشكال حيوية وعضوية محبوكة من سيقان نبات القنب من ابتكار مريناليني كوخيرجي في الهند، وتراكيب هندسية مستلهمة من حركة «باوهاوس» الفنية الألمانية نفذها جويل أندريانوميريزوا من مدغشقر في مواد مثل الحرير والقطن والورق، فضلاً عن ابتكارات بتوقيع آخرين أمثال خوسيه ليونيلسون وأنجيلا سو. أما القاسم المشترك بين العروض الثمانية، فتمثل بتسليط الضوء على الإرث الاستعماري، بدءًا من الاقتصاديات المرتبطة بقطاع النسيج ووصولاً إلى أشكال الاستغلال والتواطؤ السياسي الحالية، وذلك بموازاة إبراز الترابط الوثيق بين الفن المعاصر ومجموعة من التقاليد الراسخة.   

 

روائع الماضي  

كان يكفي أن يجوب المرء مساحات معرض فريز لندن ليتأكد من عودة اللوحات الفنية التي يرى جامعو الفنون أنها تشكل، مقارنة بغيرها من الإبداعات الفنية، رهانًا أكثر أمنًا في ظل الأزمات، والتي كانت الأعمال التصورية والتركيبية قد أقصتها لمدة طويلة. تشهد على ذلك تحديدًا أروقة معرض «فريز ماسترز» Frieze Masters، المكمل للمعرض الرئيس، والذي شهد مشاركة أكثر من 130 صالة عرض حديثة وتاريخية قدمت روائع فنية من حقبات غابرة وصولا إلى أواخر القرن العشرين. ففيما احتضن هذا المعرض قطعًا أثرية صينية نادرة، وحجرًا نيزكيًا عمره 4.5 مليار سنة، ومجموعة قيمة من الكتب النادرة، كان الحضور الأبرز للوحات فنية شملت رسومات من الهند تعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وأخرى كان الرسام الأمريكي سي تومبلي قد أبدعها على مدى خمسين عامًا.

 

جناح صالة رفاييل أورتيز من إشبيلية في معرض فريز ماسترز.

جناح صالة رفاييل أورتيز من إشبيلية في معرض فريز ماسترز.

 

كما حضرت أعمال فرويد لوسيان، وفرانسيس بيكون، وإليزابيث بيتون من خلال جناح صالة مارلبورو التي أتاحت الفرصة لاستكشاف فن رسم الأشخاص. لكن يبقى أبرز ما استحوذ على الاهتمام في فريز ماسترز هو لوحة Michelle Marullo Tarcaniota التي أبدعها ساندرو بوتيتشيللي سنة 1497. في هذه المأثرة التي عرضتها صالة ترينتي فاين آرت بسعر ثلاثين مليون دولار، جسد فنان عصر النهضة الإيطالية الطبيعة المزدوجة لشخصية ميشيل مارولو، الجندي والشاعر في بلاط عائلة ميديتشي، فعكس بريشته صورة لرجل عنيف ومثقف في آن. وإذ تشير فالنتينا روسي، مديرة الصالة، إلى أن هوية مارولو أضفت مزيدًا من الجاذبية على اللوحة، تؤكد أنها تشكل خير تجسيد لفن البورتريه في لوحات بوتيتشيللي.  

 

 في صالة سيمون لي، لوحات ومنحوتات وعروض تفاعلية من إبداع الفنانة الأمريكية البوليفية دونا هوانكا

في صالة سيمون لي، لوحات ومنحوتات وعروض تفاعلية من إبداع الفنانة الأمريكية البوليفية دونا هوانكا.

 

الفن من منظور ريتشارد ميل 

في معرض فريز ماسترز، تحولت مساحة أحد الأجنحة إلى فسحة لاستكشاف الفن من منظور صانع ساعات يتهيأ اليوم للاحتفاء بعقدين من التفوق في تشكيل نبض الوقت مآثر مبتكرة رسخت اسمه في عالم صناعة الساعات الفاخرة. يأتي حضور ريتشارد ميل في هذا الفضاء الفني للسنة الثانية على التوالي ليكرس حرص الدار على تعميق الروابط بين الفنون المرئية وفن صناعة الوقت. تركز اختيار الساعات التي تزينت بها مساحة الجناح حول ثمانية موضوعات مختلفة تفاوتت بين الصياغة الهيكلية للمعيار الحركي، والإلهام المستمد من عالم السيارات، وترجمة الوقت، واستحضار الماضي، والقيمة المعتبرة للوزن، فضلاً عن الطابع الجمالي لآليات ضبط الوقت، والرفاهية، وتحقيق الدقة. هذه العناصر التي تشكل اليوم جزءًا من منظومة ريتشارد ميل الإبداعية استعرضها في الجناح ثيودور ديل، أحد صانعي الساعات لدى الدار، منطلقًا من ساعة الجيب عصرية التصميم RM 020  المجهزة بسلسلة من التيتانيوم. عن هذه الساعة قال ديل: «سعت ريتشارد ميل من خلال هذا الابتكار إلى تقديم ترجمة حديثة وعصرية لطراز من الساعات راج في مطلع القرن العشرين. قد يبدو تصميم الساعة انسيابيًا وغير متكلف، لكنه يخفي وراءه عملية تصنيع معقدة، لا سيما على مستوى صياغة السلسلة.» استغرق تصميم السلسلة المكونة من خمسة وستين جزءًا وتصنيعها قرابة سنة ونصف سنة، ويمكن فصلها بما يتيح تحويل مأثرة الدار إلى ساعة مكتب.

 

 في قسم Woven ، وظف الفنان سيان دايرين من مانيلا تقنيات النسيج لإعادة ابتكار صور التقطها خلال أسفاره

في قسم Woven ، وظف الفنان سيان دايرين من مانيلا تقنيات النسيج لإعادة ابتكار صور التقطها خلال أسفاره.

 

أما معيارها الحركي، فيتسم بوزنه بالغ الخفة بسبب استخدام التيتانيوم في تشكيل الصفيحة الرئيسة والجسور، وتخريم بعض العناصر الأخرى. برزت ضمن المعروضات أيضًا ساعات من طراز RM 017 المستلهم من عالم سباق السيارات والإبحار الشراعي، وأخرى من طراز RM 07 – 01 الذي يعكس التناغم المتقن بين التصميم الأنيق والمواد المبتكرة مثل كربون TPT الذي صيغ منه السوار. عُرضت كل من هذه الساعات وغيرها داخل الجناح إلى جانب نموذج من معيارها الحركي يكشف عن جماليات أجزائه الخفية المزخرفة بتشطيبات يدوية والتي بدت للناظرين أقرب إلى منحوتات مجهرية أتاحت الفرصة أمام الزائرين لاستكشاف البراعة الفنية الدقيقة المميزة لريتشارد ميل. 

 في معرض فريز ماسترز، عكست الساعات المعروضة في جناح ريتشارد ميل الفن الجزيئي المميز لإبداعات الدار

في معرض فريز ماسترز، عكست الساعات المعروضة في جناح ريتشارد ميل الفن الجزيئي المميز لإبداعات الدار.

 

ساعة الجيب عصرية التصميم RM 020 من ريتشارد ميل

ساعة الجيب عصرية التصميم RM 020 من ريتشارد ميل

 


www.frieze.com 

اشترك بالنشرة الإخبارية

آخر الموضوعات

  • حوار مع نيكولا شيبرد

    حوار مع نيكولا شيبرد

     لطالما دأبت نيكولا شيبرد على شد الرحال إلى أفريقيا على مدى ثلاثين عامًا لاستكشاف وجهات جديدة واصطحاب زبائن في أكثر…
  • أبعاد ثلاثية

    أبعاد ثلاثية

    في عام 2016، كشفت شركة سنابشات عن نظارات Spectacles المجهزة بآلة تصوير خفية يمكن ربطها بهاتف ذكي، ما أثار كثيرا…
  • فنادق راقية تتألق في ويست هوليوود

    فنادق راقية تتألق في ويست هوليوود

     لعل الإشادة بنهضة منطقة داون تاون لوس أنجليس قد شغلتنا للغاية، فلم نلحظ أن ضاحية أخرى مرموقة قد خضعت للتجديد.…
  • روائع فريز الفنية

    روائع فريز الفنية

     في مدينة الضباب، لا يغيب الحديث منذ أواسط عام 2016 عن تصورات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو ما بات…